فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وزيدت (كان) بعد (إنْ) الشرطية بينها وبين ما هو فعل الشرط في المعنى ليبقى فعل الشرط على معنى المضي فلا تُخلّصه (إن) الشرطيّةُ إلى الاستقبال، كما هو شأن أفعال الشروط بعد (إن)، فإنّ (كان) لقوّة دلالته على المضي لا تقلبه أداة الشرط إلى الاستقبال.
والإعراض المعرّف بالإضافة هو الذي مضى ذكره في قوله تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4].
وهو حالة أخرى غير حالة التكذيب، وكلتاهما من أسباب استمرار كفرهم.
وقوله: {فإن استطعت} جوابُ {إن كان كبر}، وهو شرط ثان وقع جوابًا للشرط الأول.
والاستطاعة: القدرة.
والسين والتاء فيها للمبالغة في طاع، أي انقاد.
والابتغاء: الطلب.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أفغير دين الله تبغون} في سورة [آل عمران: 83]، أي أن تَطْلُبَ نَفَقًا أو سُلّمًا لتبلغ إلى خبايا الأرض وعجائبها وإلى خبايا السماء.
ومعنى الطلب هنا: البحث.
وانتصب {نفقًا} و{سُلّما} على المفعولين ل {تبتغي}.
والنفق: سرب في الأرض عميق.
والسّلَّم بضمّ ففتح مع تشديد اللاّم آلة للارتقاء تتّخذ من حبلين غليظين متوازيين تصل بينهما أعواد أو حبال أخرى متفرّقة في عرض الفضاء الذي بين الحبلين من مساحة ما بين كلّ من تلك الأعواد بمقدار ما يرفع المرتقي إحدَى رجليه إلى العود الذي فوق ذلك، وتسمّى تلك الأعواد دَرَجَات.
ويجعلُ طول الحبلين بمقدار الارتفاع الذي يراد الارتقاء إليه.
ويسمَّى السلّم مِرْقاة ومِدْرَجة.
وقد سمّوا الغرز الذي يرتقي به الراكب على رحل ناقته سُلّما.
وكانوا يرتقون بالسلّم إلى النخيل للجذاذ.
وربما كانت السلاليم في الدور تتّخذ من العود فتسمّى المرقاة.
فأمّا الدرج المبنيّة في العَلالي فإنّها تُسَمَّى سُلّمًا وتسمّى الدّرَجة كما ورد في حديث مقتل أبي رافع قول عبد الله بن عتيك في إحدى الروايات: «حتّى انتهيت إلى دَرَجة له»، وفي رواية: «حتّى أتيت السلّم أريد أن أنزل فأسْقُطُ منه».
وقوله: {في الأرض} صفة {نفقًا} أي متغلغلًا، أي عميقًا.
فذكر هذا المجرور لإفادة المبالغة في العمق مع استحضار الحالة وتصوير حالة الاستطاعة إذ من المعلوم أنّ النفق لا يكون إلاّ في الأرض.
وأمّا قوله: {في السماء} فوصف به {سُلّما}، أي كائنًا في السماء، أي واصلًا إلى السماء.
والمعنى تبلغ به إلى السماء.
كقول الأعشى:
ورُقّيتَ أسبَاب السّمَاء بسُلّم

والمعنى: فإن استطعت أن تطلب آية من جميع الجهات للكائنات.
ولعلّ اختيار الابتغاء في الأرض والسماء أنّ المشركين سألوا الرسول عليه والصلاة والسلام آيات من جنس ما في الأرض، كقولهم: {حتّى تُفجّر لنا من الأرض ينبوعًا} [الإسراء: 90]، ومن جنس ما في السماء، كقولهم: {أو ترقى في السماء} [الإسراء: 93].
وقوله: {بآية} أي بآية يسلّمون بها، فهنالك وصف محذوف دلّ عليه قوله: {إعراضهم}، أي عن الآيات التي جئتهم بها.
وجواب الشرط محذوف دلّ عليه فعل الشرط، وهو {استطعت}.
والشرط وجوابه مستعملان مجازًا في التأييس من إيمانهم وإقناعهم، لأنّ الله جعل على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقرًا وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها.
ويتعيّن تقدير جواب الشرط ممّا دلّ عليه الكلام السابق، أي فأتهم بآية فإنّهم لا يؤمنون بها، كما يقول القائل للراغب في إرضاء مُلحّ.
إن استطعت أن تجلب ما في بيتك، أي فهو لا يرضى بما تقصر عنه الاستطاعة بلْهَ ما في الاستطاعة.
وهو استعمال شائع، وليس فيه شيء من اللوم ولا من التوبيخ، كما توهّمه كثير من المفسّرين. اهـ.

.قال الفخر:

قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى} تقديره: ولو شاء الله هداهم لجمعهم على الهدى وحيثما جمعهم على الهدى، وجب أن يقال: إنه ما شاء هداهم، وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر بل يريد إبقاءه على الكفر، والذي يقرب هذا الظاهر أن قدرة الكافر على الكفر إما أن تكون صالحة للإيمان، أو غير صالحة له، فإن لم تكن صالحة له فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر، وغير صالحة للإيمان، فخالق هذه القدرة يكون قد أراد هذا الكفر منه لا محالة، وأما إن كانت هذه القدرة، كما أنها صلحت للكفر فهي أيضًا صالحة للإيمان، فلما استوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر، إلا لداعية مرجحة، وحصول تلك الداعية ليس من العبد، وإلا وقع التسلسل، فثبت أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة موجب للفعل، فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر، وغير مريد لذلك الإيمان.
فهذا البرهان اليقيني قوي ظاهر بهذه الآية، ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن.
قالت المعتزلة: المراد ولو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم عليه.
قال القاضي: والالجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه، وحينئذٍ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان.
ومثاله: أن أحدنا لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم، وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال، فإن هذا العلم يصير مانعًا له من قصد قتلك ذلك السلطان، ويكون ذلك سببًا لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا ههنا.
إذا عرفت الالجاء فنقول: إنه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك يزيل تكليفهم فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثواب، وذلك لا يكون إلا اختيارًا.
والجواب: أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى الإيمان وإلى الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان.
والأول: تكليف ما لا يطاق، لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء، تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال، وإن كان الثاني: فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع، وكل هذه الأقسام تنافي ما ذكروه من المكنة والاختيار، فسقط قولهم بالكلية. والله أعلم. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى} أي لو شاء الله تعالى جمعهم على ما أنتم عليه من الهدى لجمعهم عليه بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ ذلك سبحانه لسوء اختيارهم حسبما علمه الله تعالى منهم في أزل الآزال، وقالت المعتزلة: المراد لو شاء سبحانه جمعهم على الهدى لفعل بأن يأتيهم بآية ملجئة إليه لكنه جل شأنه لم يفعل ذلك لخروجه عن الحكمة، والحق ما عليه أهل السنة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} شرط امتناعي دلّ على أنّ الله لم يشأ ذلك، أي لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم عليه؛ فمفعول المشيئة محذوف لقصد البيان بعد الإبهام على الطريقة المسلوكة في فعل المشيئة إذا كان تعلّقه بمفعوله غير غريب وكان شرطًا لإحدى أدوات الشرط كما هنا، وكقوله: {إن يشأ يُذهبكم} [النساء: 133].
ومعنى: {لجمعهم على الهدى} لهداهم أجمعين.
فوقع تفنّن في أسلوب التعبير فصار تركيبًا خاصِّيًّا عدل به على التركيب المشهور في نحو قوله تعالى: {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] للإشارة إلى تمييز الذين آمنوا من أهل مكّة على من بقي فيها من المشركين، أي لو شاء لجمعهم مع المؤمنين على ما هدى إليه المؤمنين من قومهم.
والمعنى: لو شاء الله أن يخلقهم بعقول قابلة للحقّ لخلقهم بها فلَقَبلُوا الهدى، ولكنّه خلقهم على ما وصف في قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا} [الأنعام: 25] الآية، كما تقدّم بيانه.
وقد قال تعالى: {ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة}[هود: 118]، وبذلك تعلم أنّ هذه مشيئة كليّة تكوينيّة، فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في آخر هذه السورة [148] {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} الآية.
فهذا من المشيئة المتعلّقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلّقة بالأمر والتشريع.
وبينهما بَوْن، سقط في مهواته من لم يقدّر له صون. اهـ.

.قال الفخر:

قوله تعالى في آخر الآية: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} نهي له عن هذه الحالة، وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 48] لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أطاعهم وقبل دينهم، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك فإنك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة. والله أعلم. اهـ.

.قال ابن عطية:

{من الجاهلين} يحتمل في أن لا يعلم أن الله: {لو شاء لجمعهم} ويحتمل في أن تهتم بوجود كفرهم الذي قدره وأراده، وتذهب به لنفسك إلى ما لم يقدر الله به، يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {فلا تكونن من الجاهلين} وبين قوله لنوح عليه السلام: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] وقد تقرر أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، قال مكي والمهدي: والخطاب بقوله: {فلا تكونن من الجاهلين} للنبي عليه السلام والمراد به أمته، وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: وقر نوح لسنه وشيبته، وقال قوم: جاء الحمل أشد على محمد صلى الله عليه وسلم لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب.
قال القاضي أبو محمد: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجيء بحسب النبيين وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما وبين أن الأمر الذي نهى عنه محمد صلى الله عليه وسلم أكبر قدرًا وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح صلى الله عليه وسلم. اهـ.

.قال الثعالبي:

وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} للنبي صلى الله عليه وسلم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ. قلت وما قاله * ع *: فيه عندي نَظَرٌ؛ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا رحمه اللَّه نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلًا، ولفظه: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ.
وقيل: معنى الخطاب لأُمَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير. انتهى من الهِدَايَةِ. اهـ.

.قال أبو السعود:

وقوله تعالى: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} نهيٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من الحرص الشديدِ على إسلامهم والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعًا في إيمانهم، مرتَّبٌ على بيان عدمِ تعلّق مشيئته تعالى بهدايتهم، والمعنى وإذا عرفت أنه تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين فلا تكونَنَّ بالحرص الشديدِ على إسلامهم أو الميلِ إلى نزول مقترحاتِهم من الجاهلين بدقائق شؤونِه تعالى التي من جملتها ما ذُكر من عدم تعلُّق مشيئتِه تعالى بإيمانهم، أما اختيارًا فلعدم توجُّههم إليه، وأما اضطرارًا فلخُروجه عن الحكمة التشريعيةِ المؤسسةِ على الاختيار، ويجوز أن يُرادَ بالجاهلين على الوجه الثاني المقترِحون، ويُراد بالنهْي منعُه عليه الصلاة والسلام من المساعدة على اقتراحهم، وإيرادُهم بعُنوان الجهل دون الكفر ونحوِه لتحقيق مَناطِ النهْي الذي هو الوصفُ الجامع بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم. اهـ.

.قال القرطبي:

{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} أي من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يَحِل؛ أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين.
وقيل: الخطاب له والمراد الأمة؛ فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم. اهـ.

.قال أبو حيان:

{فلا تكونن من الجاهلين} تقدم قول ابن عطية في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله تعالى، وأمضاه، وعلم المصلحة فيه.
وقال أيضًا: و{من الجاهلين} يحتمل في أن لا تعلم أن الله: {لو شاء لجمعهم على الهدى} ويحتمل في أن تهتم بوجود كفرهم الذي قدره الله وأراده، وتذهب بك نفسك إلى ما لم يقدر الله، انتهى.
وضعف الاحتمال الأول بأنّه صلى الله عليه وسلم مع كمال ذاته وتوفر معلوماته وعظيم اطّلاعه على ما يليق بقدرة الحقّ جلّ جلاله، واستيلائه على جميع مقدوراته، لا ينبغي أن يوصف بأنه جاهل بأنه تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى، لأن هذا من قبيل الدين والعقائد، فلا يجوز أن يكون جاهلًا بها، وكأن الزمخشري قد فسر قوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} بأن تأتيهم آية ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة فقال في قوله: {فلا تكونن من الجاهلين} من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه.